الجامع الكامل سے متعلقہ
تمام کتب
ترقیم دار ابن بشیر
عربی
اردو
5406. 6- باب قوله: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
اللہ تعالیٰ کے اس فرمان کے متعلق ہے کہ ”اور ابراہیم نے کہا کہ میں اپنے رب کی طرف جانے والا ہوں، وہی میری رہنمائی فرمائے گا۔ اے میرے رب! مجھے صالح اولاد عطا فرما۔ تو ہم نے اسے ایک بردبار لڑکے کی بشارت دی۔ پھر جب وہ لڑکا ان کے ساتھ تگ و دو کی عمر کو پہنچا تو ابراہیم نے کہا کہ اے میرے پیارے بیٹے! میں خواب میں دیکھ رہا ہوں کہ میں تجھے ذبح کر رہا ہوں، اب تو دیکھ کہ تیری کیا رائے ہے؟ اس نے کہا کہ اے میرے ابا جان! آپ وہی کیجیے جس کا آپ کو حکم دیا جا رہا ہے، ان شاء اللہ آپ مجھے صبر کرنے والوں میں پائیں گے۔ پھر جب ان دونوں نے حکمِ الٰہی کے سامنے سرِ تسلیم خم کر دیا اور ابراہیم نے اسے پیشانی کے بل لٹا دیا، تو ہم نے اسے پکارا کہ اے ابراہیم! بلاشبہ تو نے اپنا خواب سچ کر دکھایا، ہم نیکوکاروں کو اسی طرح صلہ دیا کرتے ہیں۔ یقیناً یہ ایک واضح آزمائش تھی۔ اور ہم نے ایک عظیم ذبیحہ کے عوض اس کا فدیہ دیا۔ اور ہم نے بعد میں آنے والوں میں اس کا ذکرِ خیر باقی رکھا۔ سلام ہو ابراہیم پر۔ ہم نیکوکاروں کو ایسا ہی بدلہ دیتے ہیں۔ بے شک وہ ہمارے مومن بندوں میں سے تھا۔ اور ہم نے اسے اسحاق کی بشارت دی جو نبی اور صالحین میں سے تھے۔ اور ہم نے ابراہیم اور اسحاق پر برکتیں نازل کیں، اور ان دونوں کی اولاد میں سے کوئی تو نیکوکار ہے اور کوئی اپنے نفس پر کھلم کھلا ظلم کرنے والا ہے“۔
حدیث نمبر: A496
قوله: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ
هذا الغلام هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق بن إبراهيم، ولكن الصواب أنه إسماعيل، وليس بإسحاق، وهو الذي يدل عليه النظم القرآني من وجوه كثيرة، وفيما يلي ذكرها:
1- أن الملائكة لما بشّروا إبراهيم بإسحاق قالوا: قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [سورة الحجر: ٥٣] ، وإسماعيل وصف بالحلم في الآية الكريمة، وهذا هو الوصف المناسب لهذا المقام.
2- قال تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي: كبر هذا الغلام وترعرع وصار يذهب ويمشي مع أبيه، وهذا يدل على أن ذلك الغلام الحليم الذبيح لم يكن كبيرا، وقد اتفق أهل الكتاب والمسلمون أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق، وجاء في سفر التكوين ما يدل على ولادة إسماعيل قبل إسحاق بأربع عشرة سنة، فالظاهر أنها لما وقعت قصة الذبح لم يكن إسحاق ولد بعد.
3- قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ولا شك أن الأمر بذبح الإبن الأكبر الوحيد البكر أبلغ في الإبتلاء والإختبار، وعزم إبراهيم على تنفيذه أبلغ في الإمتثال والطاعة، وإسماعيل كان هو الأكبر والبكر من أولاد إبراهيم.
4- قال تعالى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وقال تعالى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [سورة هود: ٧١] ، فالله عز وجل بشر إبراهيم بإسحاق، وذكر أنه يبارك عليهما، وأنه يولد في حياتهما ولد لإسحاق يكون اسمه يعقوب. فليس من المعقول أن يأمر الله بذبح إسحاق وهو صغير؛ لأن الله تعالى كان قد وعد إبراهيم بأن ابنه إسحاق سيكون له ولد ونسل وذرية.
5- إن إسماعيل عليه السلام سكن في مكة، وشارك أباه في بناء الكعبة، قال تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة: ١٢٧] . وقصة الذبح هذه كانت في منى كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وأجمع على ذلك أهل الإسلام قاطبة.
وأما إسحاق فلم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على مجيئه إلى مكة، وكذلك لم يذكر المؤرخون من المسلمين ومن أهل الكتاب وغيرهم مجيء إسحاق إلى مكة طول حياته ولو مرة واحدة. ولذا من المستبعد جدا أن يكون الذبيح إسحاق، بل هو إسماعيل قطعا بلا ريب للوجوه المذكورة، وقد بسطت هذه المسألة في مقالة مستقلة في كتابي:"دراسات في اليهود والمسيحية" ولا مانع من إيرادها هنا لأهميتها.
الذبيح هو إسماعيل: إن اليهود كعادتهم حرفوا حادثة الذبح ووضعوا اسم إسحاق عليه السلام في مكان الذبيح مع أن القرائن تدل على أنه إسماعيل.
وإليكم ما جاء في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين:"وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم، فقال: هأنذا، فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأسعده، هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك، فبكر إبراهيم صباحا، وشد على حماره، وأخذ اثنين من غلمانه معه، وإسحاق ابنه وشقق حطبا لمحرقة، وقام، وذهب إلى الموضع الذي قال الله له، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه، وأبصر الموضع من بعيد، فقال إبراهيم لغلاميه: اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك، ونسجد ثم نرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب المحرقة، ووضعه على إسحاق ابنه، وأخذ بيده النار والسكين، فذهبا كلاهما معا، وكلّم إسحاق إبراهيم أباه، وقال: يا أبي! فقال: هأنذا يا بني، فقال: هو ذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟ فقال إبراهيم: الله يرى له الخروف للمحرقة يا بني! فذهبا كلاهما معا، فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله بنى إبراهيم هنا المذبح، ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه، ووضعه على المذبح فوق الحطب، ثم مدّ إبراهيم يده، وأخذ السكين ليذبح ابنه، فناداه ملاك الرب من السماء، وقال: إبراهيم! إبراهيم! فقال: هأنذا، فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني، فرفع إبراهيم عينيه، ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعقه محرقة عوضا عن ابنه، فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع"يهوه يراه" حتى أنه يقال اليوم في جبل الرب"يرى" ثم ذهب إبراهيم إلى بئر سبع وسكن فيه".
هذه هي قصة الذبح في التوراة المزعومة، وتستخرج من هذه القصة الأمور التالية:
1- إن الله أمره أن يذبح ابنه الوحيد.
2- إن هذا الابن كان محبوبا لإبراهيم.
3- إن إبراهيم كان سكن بئر سبع قبل الذبح، وبعد الذبح.
4- يبعد المذبح"مريا" من بئر سبع مسافة ثلاثة أيام.
وفي ضوء هذه النقاط إذا نظرنا إلى آل إبراهيم اتضح لنا بوضوح أن الابن الوحيد لإبراهيم هو"إسماعيل"، لأنه ولد قبل أخيه بأربعة عشر عاما كما جاء في التكوين:"فولدت هاجر لإبراهيم ابنا، ودعا إبرام اسم ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل، وكان إبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لإبرام، (16/15) ،" وكان إبرام ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه". (21/4) .
فيفهم من هذا أن قصة الذبح كانت قبل ولادة إسحاق؛ لأن ابنه الوحيد البكر هو إسماعيل عليه السلام. وأن التوراة تنص على أن البكر هو الذي يقدم للذبائح سواء كان من الإنسان أو الحيوان، وهي شريعة مستمرة من آدم إلى موسى عليهما السلام، ففي سفر التكوين (4/4) :"وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ومن سمانها فنظر الرب إلى هابيل وقربانه".
هذا بموجب شريعة آدم وأولاده، وبقي هذا الحكم مستمرا إلى موسى عليه السلام، فإن البكر هو الذي يخصّص لله، ويقدس كما جاء في سفر الخروج (13/1-2) :"وحكم الرب موسى قائلا: قدس لي كل بكر، وكل فاتح رحم، من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم، إنه لي".
ولا شك أن نبي الله إسماعيل بكر أبيه هو الذي استحق هذا الشرف ليكون في خدمة الله.
الأمر الثاني: قوله: ابنك الوحيد الذي تحبه.
وهذا واضح وضوح الشمس فإن حبّ إبراهيم لإسماعيل لا يحتاج إلى إقامة دليل، لأنه ولد بعد ما بلغ من العمر ستا وثمانين سنة، وكان من نتيجة دعائه، ولذا سماه"إسماعيل" من استجابة الله دعاءه – أو"سمع الله".
ولذلك لما بشّر بالابن الثاني وهو إسحاق عليه السلام لم يزد على قوله:"لله ليت إسماعيل يعيش أمامك". سفر التكوين (17/18) .
ولما طلبت سارة من إبراهيم أن يفارق ابنه إسماعيل وأمه حزن إبراهيم من هذا الطلب:"ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم نمزح. فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها؛ لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق، فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسب ابنه. فقال الله لإبراهيم: لا تقبح في عينيك من أجل الغلام، ومن أجل جاريتك في كل ما تقول لك سارة اسمع قولها؛ لأنه لإسحاق يدعى لك نسل. وابن الجارية أيضا سأجعله أمة؛ لأنه نسلك". سفر التكوين (21/9-13) .
كأن الله هدّأ فؤاد إبراهيم بقوله: إنه سيجعل منه أمة وقد كان محزونا من طلب سارة مفارقة ابنه، وهو دليل على حبه له.
الأمر الثالث: إن إبراهيم كان يسكن بئر سبع عند ما أمر بذبح ابنه، ومنه أخذ ابنه، وذهب إلى"مريا".
تنص التوراة على أن إبراهيم أخذ هاجر وابنها إسماعيل، وتركهما في بئر سبع (التكوين:21/14) وسكن إسماعيل مع أمه في برية فاران (التكوين: 21/21) . إن صح ما تقول التوراة فإن إبراهيم أخذ ابنه إسماعيل من بئر سبع، وذهب إلى"مريا".
ويبدو أن محرري التوراة لم يلاحظوا هذه الأمور، فاستعجلوا في إقحام اسم إسحاق عليه السلام في حادثة الذبح.
الأمر الرابع: ذهابه إلى"مريا" إذا نظرنا إلى موضع"مريا" واشتقاقه فهو في أصله"مروة" وأن التوراة تنص على أوصاف هذا الجبل بأنه بلوطة مورة (التكوين: 12/6) . وفي النسخة العبرانية:"برية مورة" ولا شك أن المترجمين غيرو هذا الفظ من أصله"مروة" إلى"مرية" و"مريا" و"موريا" و"مورة" و"مورءياه" إلى غير ذلك.
والأمر الذي لا خلاف فيه بين اليهود والنصارى أن الذبيح كان جنب المعبد.
وهذه الأمور كلها تدل على أن ذلك كان في جوار بيت الله الحرام الذي يسمى الآن"مروة" والقرآن يقطع هذا النـزاع بقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
لأن البشارة الأولى كانت لإسماعيل كما أن البشارة الثانية هي لإسحاق. والموضع الذي حدثت فيه قصة الذبح كان بجوار بيت الله الحرام الذي يسمى"واديا غير ذي زرع". وتتعارض نصوص التوراة بأن يكون إسحاق عليه السلام هو الذبيح، وذلك أن الله بشر إبراهيم بإسحاق، وذكر عقبه أن يباركه كما جاء في سفر التكوين (17/19) :"ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية".
فهل من الممكن أن يخبر الله تعالى بأنه يقيم عهده مع إسحاق وهو لم يولد بعد، ثم يأمره بذبحه بعد ولادته، أو ليس فيه تناقض ظاهر؟ وأين يكون امتحان إبراهيم وقد علم سابقا أن إسحاق يكون أبا أمة عظيمة. بينما لم يعلم هذا عن إسماعيل إلا بعد ولادة إسحاق – أي بعد حادثة الذبح.
ولا يقال: قد يكون إسماعيل توفي في حياة إبراهيم، فلم يبق من ولده الذي وصف بأنه"الوحيد" إلا إسحاق، لأن إبراهيم مات عن إسماعيل وإسحاق، واشتركا في دفن أبيهما كما جاء في سفر التكوين (25/7-9) :"عاش إبراهيم مائة سنة وخمسة وسبعين سنة، وأسلم روحه، ومات بشيبة صالحة، وشيخا وشبعان أياما، وانضم إلى قومه ودفنه إسحاق وإسماعيل في مغارة المكفيلة".
وأرى هذا القدر يكفي للتحقيق في الموضوع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ وفيه دليل على أن رؤيا الأنبياء وحي، ولذا جاء العمل بها، بخلاف غيرهم من الناس فإنه لا يجوز الإقدام على شيء بمجرد الرؤيا.
هذا الغلام هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق بن إبراهيم، ولكن الصواب أنه إسماعيل، وليس بإسحاق، وهو الذي يدل عليه النظم القرآني من وجوه كثيرة، وفيما يلي ذكرها:
1- أن الملائكة لما بشّروا إبراهيم بإسحاق قالوا: قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [سورة الحجر: ٥٣] ، وإسماعيل وصف بالحلم في الآية الكريمة، وهذا هو الوصف المناسب لهذا المقام.
2- قال تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي: كبر هذا الغلام وترعرع وصار يذهب ويمشي مع أبيه، وهذا يدل على أن ذلك الغلام الحليم الذبيح لم يكن كبيرا، وقد اتفق أهل الكتاب والمسلمون أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق، وجاء في سفر التكوين ما يدل على ولادة إسماعيل قبل إسحاق بأربع عشرة سنة، فالظاهر أنها لما وقعت قصة الذبح لم يكن إسحاق ولد بعد.
3- قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ولا شك أن الأمر بذبح الإبن الأكبر الوحيد البكر أبلغ في الإبتلاء والإختبار، وعزم إبراهيم على تنفيذه أبلغ في الإمتثال والطاعة، وإسماعيل كان هو الأكبر والبكر من أولاد إبراهيم.
4- قال تعالى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وقال تعالى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [سورة هود: ٧١] ، فالله عز وجل بشر إبراهيم بإسحاق، وذكر أنه يبارك عليهما، وأنه يولد في حياتهما ولد لإسحاق يكون اسمه يعقوب. فليس من المعقول أن يأمر الله بذبح إسحاق وهو صغير؛ لأن الله تعالى كان قد وعد إبراهيم بأن ابنه إسحاق سيكون له ولد ونسل وذرية.
5- إن إسماعيل عليه السلام سكن في مكة، وشارك أباه في بناء الكعبة، قال تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة: ١٢٧] . وقصة الذبح هذه كانت في منى كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وأجمع على ذلك أهل الإسلام قاطبة.
وأما إسحاق فلم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على مجيئه إلى مكة، وكذلك لم يذكر المؤرخون من المسلمين ومن أهل الكتاب وغيرهم مجيء إسحاق إلى مكة طول حياته ولو مرة واحدة. ولذا من المستبعد جدا أن يكون الذبيح إسحاق، بل هو إسماعيل قطعا بلا ريب للوجوه المذكورة، وقد بسطت هذه المسألة في مقالة مستقلة في كتابي:"دراسات في اليهود والمسيحية" ولا مانع من إيرادها هنا لأهميتها.
الذبيح هو إسماعيل: إن اليهود كعادتهم حرفوا حادثة الذبح ووضعوا اسم إسحاق عليه السلام في مكان الذبيح مع أن القرائن تدل على أنه إسماعيل.
وإليكم ما جاء في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين:"وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم، فقال: هأنذا، فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأسعده، هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك، فبكر إبراهيم صباحا، وشد على حماره، وأخذ اثنين من غلمانه معه، وإسحاق ابنه وشقق حطبا لمحرقة، وقام، وذهب إلى الموضع الذي قال الله له، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه، وأبصر الموضع من بعيد، فقال إبراهيم لغلاميه: اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك، ونسجد ثم نرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب المحرقة، ووضعه على إسحاق ابنه، وأخذ بيده النار والسكين، فذهبا كلاهما معا، وكلّم إسحاق إبراهيم أباه، وقال: يا أبي! فقال: هأنذا يا بني، فقال: هو ذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟ فقال إبراهيم: الله يرى له الخروف للمحرقة يا بني! فذهبا كلاهما معا، فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله بنى إبراهيم هنا المذبح، ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه، ووضعه على المذبح فوق الحطب، ثم مدّ إبراهيم يده، وأخذ السكين ليذبح ابنه، فناداه ملاك الرب من السماء، وقال: إبراهيم! إبراهيم! فقال: هأنذا، فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني، فرفع إبراهيم عينيه، ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعقه محرقة عوضا عن ابنه، فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع"يهوه يراه" حتى أنه يقال اليوم في جبل الرب"يرى" ثم ذهب إبراهيم إلى بئر سبع وسكن فيه".
هذه هي قصة الذبح في التوراة المزعومة، وتستخرج من هذه القصة الأمور التالية:
1- إن الله أمره أن يذبح ابنه الوحيد.
2- إن هذا الابن كان محبوبا لإبراهيم.
3- إن إبراهيم كان سكن بئر سبع قبل الذبح، وبعد الذبح.
4- يبعد المذبح"مريا" من بئر سبع مسافة ثلاثة أيام.
وفي ضوء هذه النقاط إذا نظرنا إلى آل إبراهيم اتضح لنا بوضوح أن الابن الوحيد لإبراهيم هو"إسماعيل"، لأنه ولد قبل أخيه بأربعة عشر عاما كما جاء في التكوين:"فولدت هاجر لإبراهيم ابنا، ودعا إبرام اسم ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل، وكان إبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لإبرام، (16/15) ،" وكان إبرام ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه". (21/4) .
فيفهم من هذا أن قصة الذبح كانت قبل ولادة إسحاق؛ لأن ابنه الوحيد البكر هو إسماعيل عليه السلام. وأن التوراة تنص على أن البكر هو الذي يقدم للذبائح سواء كان من الإنسان أو الحيوان، وهي شريعة مستمرة من آدم إلى موسى عليهما السلام، ففي سفر التكوين (4/4) :"وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ومن سمانها فنظر الرب إلى هابيل وقربانه".
هذا بموجب شريعة آدم وأولاده، وبقي هذا الحكم مستمرا إلى موسى عليه السلام، فإن البكر هو الذي يخصّص لله، ويقدس كما جاء في سفر الخروج (13/1-2) :"وحكم الرب موسى قائلا: قدس لي كل بكر، وكل فاتح رحم، من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم، إنه لي".
ولا شك أن نبي الله إسماعيل بكر أبيه هو الذي استحق هذا الشرف ليكون في خدمة الله.
الأمر الثاني: قوله: ابنك الوحيد الذي تحبه.
وهذا واضح وضوح الشمس فإن حبّ إبراهيم لإسماعيل لا يحتاج إلى إقامة دليل، لأنه ولد بعد ما بلغ من العمر ستا وثمانين سنة، وكان من نتيجة دعائه، ولذا سماه"إسماعيل" من استجابة الله دعاءه – أو"سمع الله".
ولذلك لما بشّر بالابن الثاني وهو إسحاق عليه السلام لم يزد على قوله:"لله ليت إسماعيل يعيش أمامك". سفر التكوين (17/18) .
ولما طلبت سارة من إبراهيم أن يفارق ابنه إسماعيل وأمه حزن إبراهيم من هذا الطلب:"ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم نمزح. فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها؛ لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق، فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسب ابنه. فقال الله لإبراهيم: لا تقبح في عينيك من أجل الغلام، ومن أجل جاريتك في كل ما تقول لك سارة اسمع قولها؛ لأنه لإسحاق يدعى لك نسل. وابن الجارية أيضا سأجعله أمة؛ لأنه نسلك". سفر التكوين (21/9-13) .
كأن الله هدّأ فؤاد إبراهيم بقوله: إنه سيجعل منه أمة وقد كان محزونا من طلب سارة مفارقة ابنه، وهو دليل على حبه له.
الأمر الثالث: إن إبراهيم كان يسكن بئر سبع عند ما أمر بذبح ابنه، ومنه أخذ ابنه، وذهب إلى"مريا".
تنص التوراة على أن إبراهيم أخذ هاجر وابنها إسماعيل، وتركهما في بئر سبع (التكوين:21/14) وسكن إسماعيل مع أمه في برية فاران (التكوين: 21/21) . إن صح ما تقول التوراة فإن إبراهيم أخذ ابنه إسماعيل من بئر سبع، وذهب إلى"مريا".
ويبدو أن محرري التوراة لم يلاحظوا هذه الأمور، فاستعجلوا في إقحام اسم إسحاق عليه السلام في حادثة الذبح.
الأمر الرابع: ذهابه إلى"مريا" إذا نظرنا إلى موضع"مريا" واشتقاقه فهو في أصله"مروة" وأن التوراة تنص على أوصاف هذا الجبل بأنه بلوطة مورة (التكوين: 12/6) . وفي النسخة العبرانية:"برية مورة" ولا شك أن المترجمين غيرو هذا الفظ من أصله"مروة" إلى"مرية" و"مريا" و"موريا" و"مورة" و"مورءياه" إلى غير ذلك.
والأمر الذي لا خلاف فيه بين اليهود والنصارى أن الذبيح كان جنب المعبد.
وهذه الأمور كلها تدل على أن ذلك كان في جوار بيت الله الحرام الذي يسمى الآن"مروة" والقرآن يقطع هذا النـزاع بقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
لأن البشارة الأولى كانت لإسماعيل كما أن البشارة الثانية هي لإسحاق. والموضع الذي حدثت فيه قصة الذبح كان بجوار بيت الله الحرام الذي يسمى"واديا غير ذي زرع". وتتعارض نصوص التوراة بأن يكون إسحاق عليه السلام هو الذبيح، وذلك أن الله بشر إبراهيم بإسحاق، وذكر عقبه أن يباركه كما جاء في سفر التكوين (17/19) :"ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية".
فهل من الممكن أن يخبر الله تعالى بأنه يقيم عهده مع إسحاق وهو لم يولد بعد، ثم يأمره بذبحه بعد ولادته، أو ليس فيه تناقض ظاهر؟ وأين يكون امتحان إبراهيم وقد علم سابقا أن إسحاق يكون أبا أمة عظيمة. بينما لم يعلم هذا عن إسماعيل إلا بعد ولادة إسحاق – أي بعد حادثة الذبح.
ولا يقال: قد يكون إسماعيل توفي في حياة إبراهيم، فلم يبق من ولده الذي وصف بأنه"الوحيد" إلا إسحاق، لأن إبراهيم مات عن إسماعيل وإسحاق، واشتركا في دفن أبيهما كما جاء في سفر التكوين (25/7-9) :"عاش إبراهيم مائة سنة وخمسة وسبعين سنة، وأسلم روحه، ومات بشيبة صالحة، وشيخا وشبعان أياما، وانضم إلى قومه ودفنه إسحاق وإسماعيل في مغارة المكفيلة".
وأرى هذا القدر يكفي للتحقيق في الموضوع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ وفيه دليل على أن رؤيا الأنبياء وحي، ولذا جاء العمل بها، بخلاف غيرهم من الناس فإنه لا يجوز الإقدام على شيء بمجرد الرؤيا.
Al-Jami al-Kamil Hadith 0 in Urdu